النويري

119

نهاية الأرب في فنون الأدب

والوجه الثالث : أن يكون سببه اختلال العمل من عسفه أو خرقه . فهذا السبب زائد على الكفاية ، وخارج عن السياسة . والوزير المقلَّد فيه بين خيارين : إما أن يعزله بغيره ، وإما أن بكفّه عن عسفه وخرقه . ويجوز أن يكون مرصدا لتقليد ما تدعو [ 1 ] السياسة فيه إلى العسف لمن شاقّ ونافر . فقد قيل : لكلّ بناء أساس ، ولكلّ تربة غراس . والوجه الرابع : أن يكون سببه انتشار العمل به من لينه وقلَّة هيبته . فهذا السبب موهن للسياسة . والوزير فيه بين خيارين : إما أن يعزله بمن هو أقوى وأهيب ، وإما أن يضمّ إليه من تتكامل به القوّة والهيبة . وخياره فيه معتبر بالأصلح . ويجوز أن يقلَّد بعد صرفه ما لا يستضرّ فيه بضعفه . والوجه الخامس : أن يكون سببه فضل كفايته وظهور الحاجة إليه فيما هو أكبر من عمله . فهذا أحمد وجوه العزل وليس بعزل في الحقيقة ، وإنما هو نقل من عمل إلى ما هو أجلّ منه ، فصار بهذا العزل زائد الرتبة . وقد قال بعض البلغاء : الناس في العمل رجلان : رجل يجلّ به العمل لفضله ورياسته ؛ ورجل يجلّ بالعمل لتقصيره ودناءته ، فمن جلّ به العمل ازداد تواضعا وبشرا ، ومن جلّ بالعمل ازداد ترفّعا وكبرا . والوجه السادس : أن يكون سببه وجود من هو أكفأ [ 2 ] منه . فيراعى حال الأكفأ ، فإن كان فضل كفايته مؤثّرا في زيادة العمل به كان عزل الناظر به من لوازم

--> [ 1 ] كذا في قوانين الوزارة . وفى الأصل : « ما تدعو إليه السياسة فيه . . . الخ » وظاهر أن كلمة « إليه » مقحمة لغير حاجة . [ 2 ] استعمال « أكفأ » بمعنى أكثر اضطلاعا بالأمر ، من الخطأ المشهور ، وكذلك كفء وأكفاء في هذا المعنى ، وانما الصواب لغة في كل هذا : أكفى ، وكاف ، وكفاة ، من الكفاية التي هي الاضطلاع بالأمر وحسن القيام به .